رهاب السعادة.. ماهو؟
السعادة، طموح الجميع والشعور المنشود، فلا أحد يكره أو يرفض أن تنتهي أي خطوة أو قرار يتخذه في حياته بالنجاح وبالتالي الشعور بالسعادة.
كل واحد فينا ينظر إلى هذا الشعور من زاوية مختلفة، فيختلف مفهوم السعادة بدوره، لكنه شعور نشترك فيه جميعا، فهو متاح للجميع والاحساس به في يدك وحدك.
يرى البعض أنّ السعادة تكمن في المال والآخر يراها تكمن في العائلة والأحبة، بينما تمثل السعادة لبعض الناس في النجاح وتحقيق الأحلام، فطباع الناس تتغير وتوجهاتهم أيضا، فضلا عن اختلاف الأطوار الزمنية وظروفهم وأحوالهم، ولكل طور زمني أو مرحلة عمرية أفقها الخاص، فالسعادة للطفل تختلف عن مفهوم السعادة للمراهق أو الشاب وما يمثله هذا الشعور للكهل يختلف عما يمثله للشيخ.
وفي النهاية وبشكل عام فإنّ السعادة هي شعور نسبي يختلف باختلاف قدرات الفرد وإمكاناته ودوافعه وظروفه، إلّا أنّها شعور مشترك بين الناس يعود عليهم بالخير والمنفعة.
السعادة.. ماهي؟
السعادة من المفاهيم التي ترتبط بالرضا والراحة، لا يمكنك لمسها أو رؤيتها، فقط تشعر بها، وتظهر على ملامحك بتلقائية، حيث تجد النفس البشرية الهدوء وراحة البال التي يلجأ إليها الناس من مثيرات العالم الخارجي المليئة بالحروب والصراعات.
من الممكن تعريف وشرح مفهوم السعادة لغة على أنّها الاسم الذي يُعبّر عن الفرح والابتهاج وكل ما يُدخل ويزرع الفرح والسرور على النفس البشرية، أما السعادة فمصدرها سَعدَ يسعدُ سعادةً فهو سعيد.
تعريفات السعادة في العلوم تختلف من مجال إنساني إلى آخر، ومن فرد إلى فرد، ومن مجتمع إلى آخر، ومن أبرز العلوم الإنسانية التي تناولت تعريف السعادة هي الفلسفة.
بدورهم يختلف الفلاسفة في تعريف هذا الشعور، فمفهوم أفلاطون للسعادة، والتي يرى أنها عبارة عن فضائل الأخلاق والنفس، كالحكمة والشجاعة والعدالة والعفة، يختلف عن تعريف أرسطو لها، فهو يرى أنّها هبة من الله وقسمها إلى خمسة أبعاد، وهي، الصحة البدنية والحصول على الثروة وحسن تدبيرها واستثمارها وتحقيق الأهداف والنجاحات العملية، وسلامة العقل والعقيدة، والسمعة الحسنة والسيرة الطيبة بين الناس.
علم النفس مفهومه للسعادة يختلف تماما عما سبق، والذي خصها بدراسات عديدة، أجمعت جلها تقريبا على أن السعادة من الجانب الانفعالي هي الإحساس باعتدال المزاج والحالة النفسية، ومن الجانب التأمُّلي المعرفي فهي الوصول إلى مرحلة الشعور والإحساس بالرضا.

''اكفنا يا الله شر هذه الضحكة''.. ليست مجرد عبارة
هل عرفت أشخاصا في حياتك، يرددون عبارة ''اكفنا يا الله شر هذه الضحكة''، بعد كل ضحكة من القلب أو قهقهة عالية، أو شعور بالسعادة! نعم كثيرون هم وموجودون في كل مكان، ففي تونس مثلا، عادة ما تترد هذه العبارة ''يا ربي ان شاء الله خير بعد ها الضحكة''، في البداية قد تظن أنّها مجرد شعور بالتشاؤم ولكن عند البحث والتعمق في هذا الموضوع تبيّن أنّ هذه العبارات التي تختلف من بلد إلى آخر، ليست مجرد موروث شعبي، بل هي حالة مرضية وهي نوع من أنواع الفوبيا تُسمّى 'تشيروفوبيا' (Cherophobia).
'تشيروفوبيا' مصطلح مشتقّ من كلمة يونانية "chairo" وتعني السعادة أو الفرح، تلحقها كلمة "فوبيا" أي الرهاب النفسي، ترجمتها إلى العربية تعطينا ''رهاب السعادة'' .
رهاب السعادة
رهاب السعادة هو عندما يشعر الشخص بالخوف بعد كل شعور بالسعادة أو يخشى من أن يكون سعيدا، وقد يصعب على الشخص فهم الأسباب، هو فقط يعي أنّه بمجرد شعوره بالسعادة أو عند إطلاق ضحكة من القلب أو سماع بشائر خير، سينتهي الأمر بكارثة سيفقد بعدها كل شيء!
أسوأ السيناريوهات، يصورها عقل الشخص الذي يعاني من رهاب السعادة، ويدرك الأشخاص المصابون بهذا النوع من الرهاب أن السعادة عاطفة إيجابية لكنهم لا يستطيعون السيطرة على خوفهم منها.
وقد يظن البعض أن الامر مرتبط بالحزن، لكن ذلك غير صحيح، ويفيد موقع "ديلي ميديكال إنفو" في هذا السياق، بأنّ الشخص الذي يعاني رهاب السعادة لا يكون حزينا بالضرورة، لكنه يتجنب الأنشطة التي يمكن أن تؤدي إلى الفرح، على غرار تجنب حضور أنشطة مبهجة، مثل الحفلات أو الأفراح، ورفض الفرص التي يمكن أن تؤدي إلى تغييرات إيجابية في الحياة بسبب الخوف من أن سيئا سيحدث بعد ذلك.
وباختصار الـ"شيروفوبيا" هي الاعتقاد بأنه إذا حدث شيء جيد جدا لشخص ما، أو إذا سمع اخبارا سعيدة وبشائر خير، فهناك حدث سيئ سيقع، ونتيجة لذلك قد يخشى الأنشطة المتعلقة بالسعادة حتى لا يحدث له ما يخشاه، وكثيرا ما يحدث ذلك لشخص تعرض لحادث صادم سواء جسديا أو عاطفيا في الماضي.

رهاب السعادة.. الأسباب
تجارب ماضية مؤلمة: لا يُعرف سبب دقيق لرهاب السعادة حتى الآن، لكن بعض الخبراء يميلون لربط رهاب السعادة بالذكريات السلبية للأشخاص، ويُعتقد أن معظم المصابين بهذا النوع من الرهاب قد عانوا سابقًا في طفولتهم من بعض الأمور السلبية التي دمرت فرحتهم وسعادتهم، لذلك فهم يخافون دومًا من تكرار الأمر وهذا ما يدفعهم لأن يخافوا من لحظات الفرح، ببساطة فقد ارتبطت السعادة لديهم بالخوف والتوتر.
الشخصية الانعزالية: يربط بعض الخبراء أيضا بين رهاب السعادة واضطراب الشخصية الانعزالية، فالأشخاص المصابون باضطراب الشخصية الانعزالية يبتعدون عن المشاركة في الأنشطة التي تسبب السعادة، وذلك لأنهم قد يضطرون للتعامل مع أشخاص آخرين، وهذا ما يشعرهم بالخوف وعدم الارتياح.
الشخصية الكمالية: قد يرتبط رهاب السعادة بنوع آخر من اضطرابات الشخصية، وهو اضطراب الشخصية الكمالية، فالأشخاص المهووسون بالكمال ينظرون إلى السعادة على أنها غير مبررة، وأن الاستمتاع بلحظات الإنجاز يلهيهم عن تحقيق إنجازات أكبر.
الاكتئاب واضطربات القلق: حالات صحية عقيلة قد تؤدي إلى رهاب السعادة، حيث قد يعشر الشخص المصاب بالاكتئاب أو اضطرابات القلق مثلا أنه لا يستحق السعادة او أنه غير قادر على الحفاظ على هذا السعور الذي يعي جيدا في قرارة نفسه أنه شعور جميل وجيد ولا يتستحق الخوف لكن للاسف ينتهي به الامر الى تجنب المواقف المفرحة.
التأثيرات الثقافية والاجتماعية: في بعض الثقافات، يُنظر إلى السعادة على أنها شيء مؤقت أو غير مستدام، وقد يرتبط ذلك بمعتقدات دينية أو فلسفية تعزز فكرة أن السعادة المفرطة قد تجلب الحسد أو سوء الحظ.
ما هي أعراض الشيروفوبيا؟
لرهاب السعادة كغيره من الاضطرابات النفسية مجموعة من الأعراض والعلامات التي تختلف شدتها من شخص لآخر، وتقسم هذه الأعراض إلى أعراض معرفية وسلوكية وجسدية.
تتلخص الأعراض المعرفية في الاعتقاد بأن الشعور بالسعادة يجعلك شخصا سيئًا وستؤدي حتما إلى حدوث شيء سيئ. الاعتقاد بأنه لا ينبغي علينا التعبير عن السعادة خوفًا من إزعاج الآخرين، أو الاعتقاد أن محاولتك لكي تكون سعيدا هي مضيعة للوقت والجهد، هما أيضا من بين الاعراض المعرفية لمن يعاني من هذا الرهاب.
أما الأعراض السلوكية، فتتمثل في تجنب المناسبات الاجتماعية خوفًا من السعادة ورفض العلاقات أو الفرص التي قد تجلب الفرح.
تسارع ضربات القلب والدوخة، وجفاف الفم، وسرعة التنفس والألم الصدري والغثيان والإقياء، هي جميعها أعراض جسدية لهذا الرهاب وهي الأعراض ذاتها التي تظهر على أي مصاب بحالة نفسية . وكغيره من الأشكال الأخرى من الرهاب قد يؤهب رهاب السعادة للإصابة بنوبات الهلع، والتي يكون المحرض الأساسي لها هو اللحظات السعيدة.

الآثار النفسية والاجتماعية لرهاب السعادة
آثار نفسية واجتماعية كثيرة، قد يعاني منها المصابون برهاب السعادة، وتؤثر على حياتهم الشخصية والعملية، يقول الدكتور إسماعيل صادق، استشاري الطب النفسي، لموقع "الكونسلتو".
العزلة الاجتماعية: قد يتجنب الأشخاص الذين يعانون من رهاب السعادة المشاركة في الأنشطة الاجتماعية أو الاحتفالات خوفًا من الشعور بالفرح.
تأثير على جودة الحياة: هذا الرهاب يمكن أن يؤثر سلبًا على جودة الحياة، حيث يحد من قدرة الشخص على الاستمتاع بالحياة وتجربة المشاعر الإيجابية.
العلاقات الشخصية: قد يؤثر رهاب السعادة على العلاقات الشخصية، حيث قد يجد الأصدقاء أو أفراد الأسرة صعوبة في فهم سبب تجنب الشخص للمواقف السعيدة.
اضطراب غير معترف به
بحثنا كثيرا عن أرقام أو إحصائيات متعلقة برهاب السعادة، خلال إعداد هذا المقال، لكننا لم نتوصل إلى احصائيات رسمية، حيث تبين أن الاحصائيات المتداولة غير دقيقة، وذلك لأن هذا النوع من الرهاب ليس معترفًا به رسميًا في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5) كاضطراب مستقل.
ومع ذلك يؤكد العديد من خبراء الصحة النفسية على أهمية هذا الاضطراب وتأثيره الكبير على حياة الأشخاص الذين يعانون منه وضرورة تشخيصه وعلاجه بشكل مناسب، حيث أكّد الخبراء في دراساتهم أن هناك علاقة واضحة بين الصدمات النفسية في الطفولة ورهاب السعادة.

رهاب السعادة.. خطوات للعلاج
الشيروفوبيا، اختلال نفسي، غير معترف به رسميا في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، كما سبق وذكرنا أعلاه، ولا يوجد له علاج محدد، ولكن قدّم المختصون والخبراء الذين قاموا بأبحاث في الغرض، بعض النصائح كخطوات أولى نحو العلاج لكنهم أجمعوا تقريبا على أهمية التوجه لاستشارة أخصائي نفسي، لأنه بإمكانه تقديم علاج مناسب لمساعدة المريض.
العلاج النفسي: العلاج السلوكي المعرفي هو أحد الأساليب الفعالة في علاج رهاب السعادة، حيث يساعد هذا النوع من العلاج الشخص على فهم الأفكار السلبية المرتبطة بالسعادة واستبدالها بأفكار أكثر إيجابية وواقعية.
التأمل واليقظة: يمكن أن تساعد ممارسات التأمل واليقظة في تقليل القلق وزيادة القدرة على تقبل المشاعر الإيجابية دون خوف.
الدعم الاجتماعي: التحدث مع الأصدقاء أو العائلة أو الانضمام إلى مجموعات الدعم يمكن أن يساعد في تقليل الشعور بالعزلة وفهم أن السعادة جزء طبيعي من الحياة.
التعرف على المشاعر: حاول أن تفهم سبب خوفك من السعادة وما هي الأفكار التي ترتبط بها.
تحدي الأفكار السلبية: عندما تشعر بالخوف من السعادة، حاول أن تسأل نفسك إذا كانت هذه الأفكار واقعية أم مبالغ فيها.
التركيز على اللحظة الحالية: حاول أن تعيش اللحظة الحالية دون القلق بشأن المستقبل.
متى يجب زيارة مختص؟
''الخوف من السعادة يأتي على درجات قبل أن يتحول إلى رهاب'' تقول الاختصاصية في العلاج النفسي دانيه دبيبو درويش، وتضيف:''تتخطى بعض الحالات الشعور المؤقت بهذا الرهاب وتصبح نظامًا حياتيًا، واذا وصل الامر بالشخص حدّ رفض أي نوع من الأنشطة المفرحة والمبهجة وأصبح متقوقعا على نفسه في بيته ولا يغادره، فإن زيارة الطبيب النفسي تصبح ضرورة''.
وتتابع: ''من ملامح الشيروفوبيا المرضية، التفكير المتشائم المسيطر، وقد يصل في بعض الأحيان إلى رفض ترقيات في العمل كون هذه الترقية تعني نجاحًا وسعادة وفورًا يربطها المصاب بأن أمرًا سيئًا سيلي ذلك''.
*أميرة عكرمي