الاخبار

السياسات العمومية في المغرب العربي.. تحديات الشباب وطموحاتهم

المغرب العربي

تشهد دول المغرب العربي تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية متسارعة، وسط تنامي القلق من فقدان الشباب للثقة في الدولة ومؤسساتها. 

في هذا السياق، تبرز دراسة حديثة صادرة عن مركز الدراسات المتوسّطية والدولية بتونس تحت إشراف الباحث عادل عياري، بعنوان "السياسات العمومية وتحديات المستقبل كما ينظر إليها الشباب في دول المغرب العربي". 

وتعكس الدراسة نظرة الشباب للسياسات الحكومية في بلدانهم، وتقيم مدى استجابتها لتطلعاتهم، مع محاولة استشراف مستقبل هذه السياسات بحلول عام 2040.  

أزمة ثقة متفاقمة بين الشباب والدولة

تكشف الدراسة عن فجوة متزايدة بين الشباب والسلطات الحاكمة، حيث يرى الشباب أن السياسات العمومية لا تلبي احتياجاتهم الأساسية، سواء في التعليم، التشغيل، الصحة أو حتى في المجال الثقافي.

هذه الأزمة تتجلى بوضوح في عزوفهم عن المشاركة السياسية التقليدية، سواء عبر الأحزاب أو الانتخابات، وتعويضها بأنماط جديدة من الفعل الاجتماعي، مثل الانخراط في المجتمع المدني أو الهجرة نحو آفاق أرحب خارج الوطن.  

ويُبرز التقرير أن الشباب في المغرب العربي يواجهون واقعًا اقتصاديًا هشًا، حيث ترتفع معدلات البطالة بشكل ملحوظ، خاصة بين حاملي الشهادات العليا.

وفي تونس، على سبيل المثال، يعاني قطاع واسع من الخريجين الجامعيين من صعوبة الاندماج في سوق العمل، في ظل اقتصادات غير قادرة على استيعابهم، ونظم تعليمية بعيدة عن متطلبات السوق.  

نزيف الأدمغة... تحدٍ مستمر

أحد المحاور الهامة التي تناولتها الدراسة هو هجرة الكفاءات، وخاصة في القطاع الصحي. إذ يختار آلاف الأطباء والممرضين سنويًا مغادرة بلدانهم باتجاه أوروبا ودول الخليج، بحثًا عن ظروف عمل أفضل وأجور أكثر جاذبية. 

هذا النزيف المستمر يشكل ضربة قاسية للمنظومات الصحية في دول المغرب العربي، التي تعاني أصلًا من نقص في الموارد البشرية والبنية التحتية.  

التعليم بين التكوين النظري ومتطلبات السوق

يُشكل التعليم أحد القضايا الجوهرية التي تؤرق الشباب، حيث يرى معظمهم أن النظام التعليمي الحالي لم يعد قادرًا على تزويدهم بالمهارات اللازمة للاندماج في سوق العمل.

وتبرز الدراسة أن التعليم التقني والتكوين المهني يمثلان بدائل واعدة، إلا أنهما لا يزالان يعانيان من ضعف في الجودة والتمويل، مما يحول دون مساهمتهما الفعالة في حل أزمة البطالة.  

انفصال عن اهتمامات الشباب

تتناول الدراسة أيضًا السياسات الثقافية الموجهة للشباب، حيث يشير المشاركون إلى أن هذه السياسات غالبًا ما تكون نمطية ولا تعكس تطلعاتهم الحقيقية. 

وفي ظل هيمنة الثقافة الرقمية وتغير أنماط الاستهلاك الثقافي، يبدو أن المؤسسات الثقافية التقليدية لم تواكب هذه التحولات، ما يجعل الشباب يلجأون إلى الفضاءات الرقمية كمصدر أساسي للمعلومة والترفيه.  

عزوف أم استبعاد؟

على الصعيد السياسي، تُظهر الدراسة أن الشباب فقدوا الثقة في النخب السياسية والمؤسسات الحزبية، حيث يعتبرونها عاجزة عن تمثيلهم أو تحقيق مطالبهم. 

لكن في المقابل، تسجل الدراسة إقبالًا متزايدًا على النشاط الجمعياتي والمبادرات المجتمعية، حيث يرى الشباب أن المجتمع المدني يوفر لهم فضاءً أكثر حرية وفعالية للتعبير عن تطلعاتهم والمساهمة في التغيير.  

وتدعو الدراسة إلى دمج الشباب في مشاريع التنمية المستدامة، سواء في مجالات الطاقات المتجددة، البيئة، أو الاقتصاد الاجتماعي والتضامني.

وتبرز أمثلة ناجحة من المغرب وليبيا، حيث تمكن الشباب من إطلاق مشاريع مبتكرة في مجالات الاستدامة، لكن لا تزال هذه التجارب محدودة بسبب نقص الدعم الحكومي والتمويل.  

توصيات الدراسة لإصلاح السياسات العمومية

أمام هذا الواقع، تقدم الدراسة مجموعة من التوصيات التي من شأنها تقليص الفجوة بين الدولة والشباب، ومنها، إصلاح شامل للمنظومة التعليمية، بما يضمن توافق التكوين الجامعي مع متطلبات سوق العمل وإطلاق برامج تشغيل موجهة للشباب، خصوصًا في القطاعات الصاعدة مثل التكنولوجيا والاقتصاد الأخضر مع تحسين ظروف العمل في القطاعات الحيوية مثل الصحة والتعليم، للحد من هجرة الكفاءات. وتعزيز مشاركة الشباب في اتخاذ القرار السياسي، عبر آليات أكثر ديمقراطية وشفافية بالإضافة إلى تطوير سياسات ثقافية حديثة تستجيب لتحولات العصر الرقمي، وتقوم على تشجيع ريادة الأعمال والمشاريع الناشئةكبديل عن الوظيفة العمومية التقليدية.  

وتشير الدراسة إلى أن مستقبل المغرب العربي يرتبط بمدى قدرة الحكومات على تحقيق إصلاحات جذرية تضمن مشاركة فعلية للشباب في صياغة السياسات العمومية، فغياب هذه المشاركة يعني استمرار أزمة الثقة واتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع.  

*صلاح الدين كريمي 
 

شارك: